علي بن أحمد المهائمي
94
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
لا حظّ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق ، فلا يدركه أبدا ، فلا يزال الحقّ من هذه الحيثيّة غير معلوم علم ذوق وشهود ، لأنّه لا قدم للحادث في ذلك ، فما جمع اللّه لآدم بين يديه إلّا تشريفا . ولهذا قال لإبليس : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] ، وما هو إلّا عين جمعه بين الصّورتين ، صورة العالم وصورة الحقّ وهما يدا الحق ، وإبليس جزء من العالم لم تحصل له هذه الجمعيّة ] . ( وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ) أي : يوصف به من الأوصاف التي تتضمن النسب ، ( ويسمى به ) من الأسماء التي لا تتضمن النسب ، لكن ما لا يكون من خواص الوجوب الذاتي لا بدّ وأن يظهر فينا بصورته أو أثره ، أو ما يتعلق به ولما كانت هذه الأسماء والصفات متعلقة بالعوالم التي لا بدّ من التقابل فيها لتكون أزواجا ، ويبقى الحق فردا بلا زوج ، كما أشار إليه عزّ وجل بقوله : سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها [ يس : 36 ] ، لم يكن من التقابل في الأسماء والصفات ، وكان الحق هو الموجد لها بواسطة تلك الأسماء والصفات ، فهي له كالأيدي ؛ ( فعبر عن هاتين الصفتين ) المتقابلتين كالظهور ، والبطون ، والرضا ، والغضب ، والجمال ، والجلال وغير ذلك مما لا يختص بالوجوب الذاتي باليدين استعارة من يدي الإنسان اللتين بهما فعله مع تخالفهما في الوضع ، والتأثير كتخالف الأسماء الإلهية في المفهوم ، والتأثر ووصفهما بقوله : ( اللتين توجهتا منه على خلق الإنسان الكامل ) ليشير إلى أن ذلك تفسير لقوله تعالى : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] ، وفيه على القول من فسرهما بالإرادة والقدرة إذ لا اختصاص لهما على ذلك التقدير بآدم ؛ فلا يكون حجة على إبليس ؛ لأنه تعالى إنما احتج بذلك عليه ( لكونه الجامع لحقائق العالم ) أي : كلياته ( ومفرداته ) أي : جزئياته وحقائق العالم ومفرداته متقابلة في الأسماء المتوجهة إليه أيضا متقابلة ، ولكنها مع تقابلها اجتمعت فيه فصارت كالمتحدة بخلافها في العالم الكبير « 1 » . فلذلك قال : ( فالعالم ) أي : الكبير من حيث اشتماله على صور الأسماء المتقابلة متفرقة منفصلة ( شهادة ) ؛ لأن العلم التفصيلي يشاهد فيه أجزاء المعلوم ، وصفاته واحدة بعد واحدة والخليفة من حيث اشتماله على صور الأسماء المتقابلة مجتمعة مجملة غيب إذ لا يشاهد في العالم الإجمالي أجزاء المعلوم ، ولا صفاته واحدة بعد واحدة ؛ ولهذا أي : ولأجل
--> ( 1 ) الكلام تعليل المتوجّه باليدين ؛ لأن الإنسان الكامل بجميع حقائق العالم ، وهي الأمور الكليّة المعقولة التي لها الآثار ، والأحكام على مفردات الأعيان الخارجية ؛ لأن أحدية جمع الجميع علما وعينا . قال رضي اللّه عنه في « الفتوحات » : إن الحقائق التي جمعها الإنسان كان من جمعيتها الإنسان انتهى كلام رضي اللّه عنه .